بقلم دكتور / أحــمـــد مــصـطـفى
*********
……وفي سرده الهاديء لذكريات ماضيه ،تلحظ عاطفة تطل عليك وكأنها طاقة شعورية تدفعك لمزيد من القراءة ثم تتوجه بك صوب الزمان والمكان ، تجول بك وتصول في فضاء النص ، وتأتيك المفردات تباعا كبوصلة فكرية مفعمة بكم هائل من المشاعر.
يقول:” ….التقيت في كلية اللغة العربية بإيتاي البارود بشخصيات جديدة في حياتي، وشخصيات أخرى كانت تربطني بها علائق قديمة من أساتذتي وزملائي ورفقاء دراستي، واسترجعت بالتقائي بتلك الشخصيات معالم مرحلة من أعظم وأحب المراحل التي مرت بمسيرة حياتي، فالتقيت أساتذتي الأفاضل في أقسام الكلية الذين درَّسوا لي في مرحلة الإجازة العالية، واستعدت مشاهد محفورة في الوجدان لبعضهم، ولا يمكن أن تمحى من الذاكرة، طالما أنها قد ارتبطت بهؤلاء الأفذاذ من المعلمين والمربين…..”
فالدكتور عبد الوهاب في ذكره لكليته وجامعته ، يمزج بين التفاول وحب العلم وبين الحنين والود والشوق للقاء ، وهو لقاء جمع من الاساتذة الأفاضل الذين استمد منهم معارفه وعلومه وعشقه للغة العربية ، فالاسلوب الراقي في الحديث عن الأزهر جامعا وجامعة يحتل جزءا كبيرا من أفكاره وعواطفه من خلال ربطه بكلية اللغة العربية وحديثه المطول عنها ، وبين صداقاته وعلاقاته بأصدقائه وزملائه .
“…….. وقلدت أستاذي الدكتور أحمد خالد مدرس اللغويات في مشيته وحديثه وأدبه وهدوئه وسمته كله، ولا أدري إلا أني قد صرت نسخة من هدوء أستاذي ومجمل صفاته، لقد كان الأستاذ معلما ومربيا ونموذجا يحتذى في شأنه كله، وقد كان لكل واحد من أساتذتنا لازمة تركت بصمة في شخصياتنا، كانت تلك اللازمة كأنها مفتاح شخصية كل منهم…”
أرأيت هذا التأثر ؟! وهذا الوفاء ؟! إنها صورة تعبر عن معاني جمة ، ودروس وعبر، معاني كلها قوة وقيمة حيث أعطى الكاتب لقارئه صورا حية لمعاني أخرجها بفنية عالية منحت النص قدرة على التماهي بشكل كبير مع الواقع ومنحت المتلقي قدرة أوسع على التفاعل…..
فالحياة عنده تعد مظهرا من مظاهر الحضور ؛ وأن استمراره يكون بقدر ابتعاده ؛لأنه يمتلك قدرا كبيرا من الصفاء والنقاء خاصة حين يحدثنا عن أستاذ كبير له على طلابه أياد لاتحصى سعادة الدكتور (محمود علي السمان) ذلكم العالم الأديب الذي شرفت بالتتلمذ على يديه في مرحلة الداسات العليا “….. وقد يقف على هذا الحديث بعض الزملاء والدارسين من الذين عاصروه وشاركوني في بعض ما أشرت إليه، وربما وافقني في كل ما ذكرت بعضهم أو في شيء منه، وربما خالفني البعض في جملته أو في بعض منه كذلك، غير أني لم أذكر ما ذكرت لإنصاف واحد أو بخس آخر، أو إجراء استفتاء على أداءات أساتذتنا أيهم السابق في حلبة الفضل وأيهم اللاحق، بل كلهم عندي فرسان في الميدان، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، ولا تبقى في ذاكرة التلميذ تجاه أساتذته إلا صفحاتهم البيضاء وصورهم الزاهية الناصعة، أما غير ذلك فيبهت مع مرور الأيام وتعاقب السنين والأحداث..”
ومازال القاريء لأوراق الدكتور عبد الوهاب يستشف شخصيته الطيبة الوقورة اللينة ؛لذا تجده يحدثك وكأنه يهمس إليك ويخصك وحدك بالحديث ،ثم ياتيك بمفاجأة تستعيد معها ذكرياتك ؛فتسعد بها ، فيمتلئ فضاء المكان وتتهاوى براثن الحزن تارة تلو الأخرى فتؤمن معه برحابة الكلمة وتعانق في وداعة الربيع شدو الحياة . (يتبع)
